اقلام انفا بريس

مطارات المستقبل في المغرب: استثمار كبير من أجل سفر أفضل، وشفافية أقوى بفضل ربط المسؤولية بالمساءلة، وتنمية تلبي طموحات الجميع

أنفابريس  //

في 24 يوليو 2025، أعلن المغرب انطلاق مشروع وطني ضخم لتطوير بنيته التحتية في مجال النقل الجوي، ضمن رؤية وطنية شاملة تُعرف باسم «مطارات 2030».

يهدف هذا المشروع إلى زيادة الطاقة الاستيعابية لمطارات المملكة من 34 مليون مسافر سنويًا اليوم إلى 80 مليون بحلول عام 2030. ويشمل بناء مطار جديد في الدار البيضاء بمطار محمد الخامس، قادرًا على استقبال 40 مليون مسافر، إلى جانب تطوير مطارات مراكش، أكادير، طنجة، وفاس لمواكبة التحديات السياحية والاقتصادية، خصوصًا استعدادًا لاستضافة المغرب المشتركة لمباريات كأس العالم 2030.

في قلب هذه المبادرة، يسعى المغرب إلى ربط المطار الجديد بشبكة قطار فائق السرعة تيسر التنقل بين المدن الكبرى، مثل مراكش وطنجة، وتسريع حركة المسافرين والبضائع. كما يتضمن المشروع اعتماد أحدث التقنيات، من بوابات إلكترونية إلى جوازات سفر بيومترية، لتسهيل إجراءات السفر وتقليص مدة الانتظار، مما يرفع من مستوى الخدمات ويضع مطارات المغرب في مصاف الأفضل عالميًا.

ولكن وراء هذا الطموح التنموي يبقى رهان النجاح مرتبطًا بمسألة شفافية إنفاق المال العام ونجاعة الحكامة. تؤكد تقارير المجلس الأعلى للحسابات المغربية، الذي يعهد إليه الدستور بمهمة الرقابة على المال العام، على ضرورة وضع آليات صارمة تراقب سير تنفيذ المشاريع الكبرى. فقد كشفت تقارير المجلس عن حالات تأخيرات وتجاوزات في بعض المشاريع البنيوية، أدت إلى زيادة التكاليف وتأجيل المنافع، ما يؤثر سلبًا على الثقة الشعبية وكفاءة الإقتصاد.

على سبيل المثال، أظهر تقرير حديث للمجلس الأعلى للحسابات كيف أن بعض مشاريع توسعة البنى التحتية السياحية تعثرت بسبب ضعف التنسيق وغياب متابعة مستمرة، ما أوقع مشاريع بتكاليف إضافية واستغلال غير فعال للموارد. إن هذه التجارب السابقة تشكل دروسًا حيوية لمشروع «مطارات 2030» الذي يواجه تحديًا مزدوجًا: تحقيق نمو طموح في النقل الجوي، مع ضمان حماية أموال الدولة والتزام المسؤولين بالشفافية والمساءلة.

وهنا، يبرز مبدأ ربط المسؤولية بالمساءلة كأحد الركائز الأساسية التي يلتزم بها المغرب اليوم. إذ لا يكفي الاستثمار المالي الكبير وحده، بل يجب أن يكون هناك متابعة وقائية من طرف المفتشيات العامة والمجلس الأعلى للحسابات، تقود إلى مساءلة كل مسؤول عن التقصير أو سوء التدبير. هذا الإطار الرقابي يتمثل في مراقبة مستمرة للجودة الفنية والمالية، وتقييم الأداء، وضمان التنسيق والتعاون بين مختلف الأجهزة الرسمية، وهو ما يوصي به خبراء مختصون لدفع التنمية نحو طريق مستدام وشفاف.

مؤخراً، قام المجلس الأعلى للحسابات بنشر توصيات واضحة، تلقى صدى واسعًا في الأوساط السياسية والمدنية، تدعو إلى تطبيق نظام مؤسساتي متكامل للرصد والتقييم، يعزز من ثقافة المساءلة ويكفل عدم تكرار الأخطاء السابقة. كما يتضمن المشروع خطة مدروسة لحماية البيئة، باعتماد معايير دولية تقلل من الانبعاثات الكربونية وتحسن كفاءة استهلاك الطاقة ضمن المطارات، انطلاقًا من مسؤولية المغرب تجاه التنمية المستدامة والتزاماتها المتجددة عالميًا.

من الجانب الاجتماعي، سيحدث المشروع نقلة نوعية في حياة المواطن بتوفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتحقيق تأثير إيجابي في قطاعات السياحة، اللوجستيك، والخدمات، ما سيدعم اقتصاد البلاد بشكل ملحوظ. فالمسافر العادي سيشعر بسلاسة أكبر في التنقل وخدمات أكثر جودة، أما المستثمر فسيتلقى إشارات قوية عن جديّة المغرب في بناء بنية تحتية حديثة وجذابة.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن «مطارات 2030» نموذج متكامل يجمع بين هدف اقتصادي واضح، وطموح حضاري، مع ضمان أن تكون عملية إنفاق المال العام خاضعة لمراقبة حقيقية وفعالة تضمن ربط المسؤولية بالمساءلة. وهو ما يجعل من هذا المشروع ليس مجرد ورقة استثمارية، بل تجربة وطنية تُحتذى في التخطيط والتدبير، تقوم على ثقة المواطن في إدارة مؤسسات بلاده.

باختصار، النجاح الحقيقي للمشروع مرتبط بقدرة المغرب على غرس ثقافة الشفافية والحكامة في كل خطوة، مع تدعيم المؤسسات الرقابية لتعمل بكامل استقلاليتها وحيادها. وبذلك، ستتحول مطارات المغرب إلى بوابات للفرص والتنمية بامتياز، ترفع راية المملكة عاليًا في العالم، وتخدم مواطنيها بأفضل صورة.

توقيع:
سمير بوزيد
نائب رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب وأحد مؤسسيها

Show More

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button