
من يحاسب المقاولين وشركات التطهير والمنتخبين؟
أنفابريس // عبد الرحمان بوعبدلي
أعادت التساقطات المطرية الأخيرة، التي عرفتها عدة مناطق بالمملكة، إلى الواجهة نقاشاً متجدداً حول جودة إنجاز مشاريع البنية التحتية، ومدى الالتزام بالمعايير التقنية والقانونية المؤطرة للصفقات العمومية، وذلك بعد تسجيل أضرار متفاوتة لحقت بطرق ومنشآت وتجهيزات حديثة الإنجاز، كان يفترض أن تصمد أمام ظروف مناخية عادية.
وفي هذا السياق، باشر ولاة الجهات تحركات ميدانية عاجلة، حيث وجهوا تعليماتهم إلى عمال العمالات والأقاليم الخاضعة لنفوذهم الترابي، من أجل تسريع وتيرة عمل اللجان المحلية المكلفة بتدبير مخاطر الأمطار، مع إعداد تقارير حالة دقيقة حول وضعية الأوراش المفتوحة، وكذا المشاريع التي تم تسلمها مؤقتاً أو نهائياً.
وحسب معطيات متطابقة، فإن هذه الخطوات جاءت على خلفية مؤشرات وُصفت بالمقلقة، أظهرت هشاشة عدد من المنشآت التي لم تصمد أمام تساقطات مطرية عادية في بعض المناطق، ما فتح الباب أمام شبهات قوية حول ضعف جودة الأشغال، وعدم احترام دفاتر التحملات، وطبيعة المواد المستعملة، خصوصاً في صفقات أُطلق عليها وصف “الحديد الرقيق”، والتي أصبحت محط تساؤلات جدية من طرف المصالح الرقابية.
وشملت تعليمات ولاة جهات الدار البيضاء–سطات، ومراكش–آسفي، وبني ملال–خنيفرة، وفاس–مكناس، وطنجة–تطوان–الحسيمة، إضافة إلى الجهة الشرقية، توسيع نطاق الافتحاص ليشمل أوراشاً حديثة العهد، سواء التي لا تزال قيد الإنجاز أو تلك التي تم تسلمها خلال فترة قريبة. ويهدف هذا الإجراء إلى رفع تقارير مفصلة إلى المصالح المركزية، قصد تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات المحتملة في حق مقاولين ومنتخبين تحوم حولهم شبهات اختلالات في تدبير الصفقات العمومية.
واعتمدت لجان تدبير الأزمة على مستوى العمالات، في تدخلاتها الميدانية، على تقارير التتبع المنجزة من طرف رجال السلطة المحلية من قياد وباشوات، مدعومة بمعطيات وفرتها شبكات المقدمين والشيوخ، بهدف توجيه عمليات التفقد نحو ما يُعرف بـ”النقاط السوداء”، خاصة الطرق، والقناطر، ومنشآت تصريف مياه الأمطار.
وفي تطور لافت، كشفت مصادر مطلعة عن ترقب حلول لجان مركزية تابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية بعدد من الجماعات والمقاطعات خلال الفترة المقبلة، استناداً إلى خلاصات تقارير الحالة المرفوعة إلى المصالح الولائية. وستنكب هذه اللجان على تدقيق محاضر تتبع الأشغال، ومحاضر التسلم المؤقت والنهائي، إضافة إلى فحص مدى احترام المساطر القانونية والتنظيمية المؤطرة لطلبات العروض والصفقات العمومية.
ووفق المصادر ذاتها، فإن عمليات الافتحاص لن تقتصر على المشاريع الحديثة، بل ستمتد إلى صفقات أُنجزت خلال السنتين الماضيتين وأخرى قريبة العهد، حيث سيعتمد المفتشون على شكايات وإخباريات توصلت بها الإدارة المركزية، تتحدث عن علاقات مشبوهة بين رؤساء جماعات وأرباب مقاولات، وعن صفقات مفصلة “على المقاس” مقابل عمولات وامتيازات، أو تسهيل ولوج مقاولات معينة إلى طلبيات أخرى.
كما أفادت المعطيات ذاتها بتعرض بعض المقاولين لضغوط من طرف منتخبين، قصد الدخول في عروض مشتركة مع شركات يملكها أقارب أو معارف، في خرق صريح لمبدأ المنافسة وتكافؤ الفرص الذي ينص عليه قانون الصفقات العمومية.
وتعيد هذه المستجدات إلى الأذهان خلاصات تقارير تفتيش سابقة همّت عشرات الجماعات الترابية، وأسفرت في بعض الحالات عن عزل رؤساء مجالس ونوابهم بمقررات قضائية. إذ وثقت تلك التقارير منح “التسلم المؤقت” لمشاريع تعاني اختلالات بنيوية واضحة، قبل توجيه مراسلات لاحقة للمقاولين بخصوص نواقص الأشغال خارج الآجال القانونية للضمان، ما أسقط حق الجماعات في المطالبة بالإصلاح، وورط مسؤولين جماعيين في تدبير غير سليم للمال العام.
وامتدت الاختلالات كذلك إلى ملفات “التسلم النهائي” لمشاريع طرق وقناطر ومنشآت لتصريف المياه العادمة، فضلاً عن توصل السلطات بتظلمات من متضررين أكدوا عدم صرف مستحقاتهم المالية، رغم وفائهم بالتزاماتهم التعاقدية في إطار صفقات عمومية واضحة البنود.
وتعكس هذه التحركات، التي تقودها السلطات الترابية بتنسيق مع أجهزة المراقبة، توجهاً جديداً نحو التشدد في تتبع أوراش البنية التحتية، حيث لم تعد التساقطات المطرية مجرد ظاهرة موسمية، بل أضحت اختباراً حقيقياً لجودة الإنجاز، ومرآة تكشف أعطاب تدبير الصفقات العمومية، في أفق ربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المال العام، وضمان حق المواطنين في بنية تحتية آمنة ومستدامة.



