
حين يفقد الإعلام روحه: المغرب بين ذاكرة الحلم وواقع التراجع.
أنفابريس/ بقلم: عبدالرحمان بوعبدلي .
للأسف الشديد، لم يعد هذا هو المغرب الذي حلمت به أجيال متعاقبة، وناضلت من أجله بإيمان راسخ بمشروع وطني قوامه الحرية، والكرامة، والتعدد، والانفتاح. فقد باتت تطفو على السطح، في الآونة الأخيرة، مؤشرات مقلقة توحي بتراجع عدد من المكتسبات، في ظل بروز تنظيمات تفتقر إلى الامتداد المجتمعي الحقيقي، وتشريعات يتم تمريرها بعيداً عن النقاش العمومي الواسع، وفي غفلة من الرأي العام.
لقد شكّل الإعلام المغربي، خلال مراحل سابقة، واجهة تعكس عمق الثقافة السياسية والفكرية التي ميزت البلاد، حيث لم يكن الحقل الإعلامي معزولاً عن التفوق الدراسي، ولا عن فضاءات الفكر والمعرفة، بل كان امتداداً لها، يتغذى من الجامعة، ومن تقاليد القراءة، ومن التنافس الفكري الجاد، ومن حسّ نقدي عالٍ جعل من الصحافة سلطة أخلاقية ورقابية بامتياز.
كما ارتبط الإعلام آنذاك بذوق فني وثقافي رفيع، وبمشروع مجتمعي يرى في الصحافة أداة للتنوير لا للتسطيح، وللنقد المسؤول لا للتوجيه أو الإقصاء. كان الصحفي فاعلاً ثقافياً، وصوتاً للمجتمع، لا مجرد ناقل للأحداث أو واجهة لخطابات جاهزة.
غير أن هذا الدور أخذ يتآكل تدريجياً، في ظل تحولات عميقة مست بنية الحقل الإعلامي، وأضعفت استقلاليته، ووسّعت الفجوة بينه وبين المعرفة، وأفرغت جزءاً من مضمونه النقدي. وهو ما يطرح اليوم أسئلة جوهرية حول مستقبل الإعلام، وحدود دوره في مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية، وحول الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لوظيفته التنويرية والرقابية.
إن استعادة روح الإعلام المغربي ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة ديمقراطية، تستدعي إعادة ربط الصحافة بالمعرفة، وبالحرية، وبالقيم المهنية، حتى تعود فضاءً للنقاش العمومي المسؤول، ورافعةً أساسية لبناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وصون ما تبقى من حلمٍ وطني لم يكتمل بعد.



