
بين النقد والتبسيط: قراءة في “نظرية الشيخ والمريد” داخل الأحزاب السياسية
أنفابريس// بقلم ابراهيم الدمسيري باحث في العلوم القانونية والسياسية
في كل مرة يشتد فيها النقاش حول أعطاب العمل الحزبي، يعود إلى الواجهة ذلك التوصيف الجاهز الذي يختزل الأحزاب في ثنائية “الشيخ والمريد”، وكأن المشهد السياسي لا يتجاوز علاقة عمودية بين آمر ومطيع. غير أن هذا الطرح، رغم ما يحمله من جزء من الحقيقة، يظل في كثير من الأحيان أقرب إلى التبسيط منه إلى التحليل.
لقد نبه اليه المفكر الكبير ابن خلدون منذ قرون إلى أن قيام الدول والتنظيمات يرتبط بروح “العصبية”، أي رابطة الولاء، لكنه في الوقت ذاته حذر من تحولها إلى عامل ضعف حين تطغى على الكفاءة وتُقصي الاستحقاق. وهو ما يجعلنا ندرك أن الولاء، في حد ذاته، ليس إشكالًا، بل الإشكال في غياب التوازن بينه وبين منطق المؤسسات.
ولا يبتعد هذا الطرح عما ذهب إليه محمد الفرابي حين ربط صلاح المدينة بوجود نظام يقوم على الفضيلة والعقل، لا على التبعية العمياء. فالتنظيم الذي يُبنى على الطاعة دون وعي، يفقد قدرته على إنتاج الفعل السياسي الرشيد.
لا يمكن إنكار أن بعض الممارسات داخل عدد من التنظيمات السياسية تعكس حضورًا لمنطق الولاءات الشخصية، حيث تتقدم العلاقات على الكفاءة، ويطغى الانتماء على الاستحقاق. لكن تحويل هذا المعطى الجزئي إلى قاعدة عامة تحكم كل الأحزاب، هو نوع من التعميم الذي يفتقر إلى الدقة، ويغفل تعقيد البنية الحزبية وتشابك محدداتها التنظيمية والثقافية.
وفي سياق نقد التبسيط، نجد أن فهم السياسة يقتضي دراسة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون، لأن الأحكام المطلقة تُفسد القدرة على التحليل وتُضعف الحكم السليم.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في الأشخاص، بل في طبيعة البناء التنظيمي ذاته: في ضعف التأطير، في غياب التكوين السياسي العميق، وفي ثقافة تنظيمية لم تستكمل بعد شروط النضج المؤسساتي. وكما أشار الفيلسوف ابن رشد فإن العقل هو أساس انتظام الشأن العام، وأي ممارسة تُقصي العقل لصالح التبعية، تُنتج خللًا في البناء قبل السلوك.
ومن هذا المنطلق، فإن اختزال الأزمة في شعار “الشيخ والمريد” لا يخدم النقاش بقدر ما يفرغه من مضمونه، لأنه يعفي الفاعلين من مسؤولية البحث عن الأسباب الحقيقية، ويستبدل التحليل بالشعارات.
غير أن النقد، مهما كان مشروعًا، لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل للتنصل من الالتزام التنظيمي. فالشباب، باعتبارهم رافعة أساسية لأي تحول سياسي، مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الانخراط الجاد داخل أجهزتهم الحزبية، واحترام قواعدها الداخلية، والعمل من داخلها لا من خارجها. وهو ما ينسجم مع ما أكده الغزالي جملة وتفصيلا من أن إصلاح الجماعة يبدأ بإصلاح السلوك داخلها، لا بمهاجمتها من خارجها.
كما أن من الخطأ اختزال الأجيال السابقة في صورة نمطية سلبية، لأن العمل السياسي هو سيرورة ممتدة، تتطلب التعلم من التجارب، والاستفادة من الخبرات، مهما اختلفت التقديرات بشأنها. فالحكمة السياسية لا تُكتسب بالاندفاع وحده، بل بالتوازن بين الطموح والتجربة.
إن الحاجة اليوم ليست إلى هدم الصورة، بل إلى تصحيحها؛ ليست إلى مهاجمة التنظيمات، بل إلى تطويرها من الداخل؛ وليست إلى البحث عن شعارات جديدة، بل إلى بناء ممارسات سياسية أكثر نضجًا ومسؤولية.
في النهاية، لا يكمن التحدي في وجود قيادات قوية، بل في بناء مؤسسات حزبية قوية قادرة على استيعاب الاختلاف، وضمان التداول، وإنتاج نخب حقيقية تزاوج بين الكفاءة والالتزام.



