
أنفابريس //عبد الرحمان رزاك
باتت الظاهرة الإجرامية تحاكم وتحاسب السياسة الجنائية بحكم الواقع، على الرغم من الأشواط التي قطعها المغرب من خلال تعديل قانون المسطرة الجنائية وتنزيل قانون العقوبات البديلة، ومسطرة التشريع التي لا زالت قائمة في نقاش عميق حول تعديل القانون الجنائي؛ كل هذا في إطار التوجهات العامة لإصلاح منظومة العدالة. لكن بالعودة إلى موضوعنا المحوري، يطرح التساؤل نفسه: لماذا وكيف تصبح الظاهرة الإجرامية هي من تحاكم السياسة الجنائية بالمغرب؟
طبعاً، إن السياسة الجنائية هي الإجراءات والتدابير التي تتخذها الدولة متمثلة في السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية في الوقاية من الجريمة وزجرها وفق الإجماع الذي اتفق عليه غالبية فقهاء القانون، والذي أخذ به أيضاً المشرع المغربي؛ لكن الأمر هنا يكمن في الاختلاف بين التصور النظري للوقاية من الجريمة وزجرها وبين الواقع العملي، اللهم إلا إذا استثنينا العمل القضائي في تطبيق وتنفيذ العقاب، ونهج وترشيد ممارسة الدعوى العمومية بناءً على دوريات رئيس النيابة العامة بصفته الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، والموجّهة لباقي وكلاء الملك والوكلاء العامين للملك بمحاكم المغرب.
وبالعودة إلى أول خطأ اصطلاحي في قانون المسطرة الجنائية، وهو القول بأن “النيابة العامة تنفذ السياسة الجنائية”؛ فإن المشهور والمسلّم به لدى الباحثين في العلوم السياسية والقانونية هو أن السياسة الجنائية سياسة عمومية في الأصل ولها طابع خاص، ومن طبيعة السياسة العمومية أن توضع و تُنفّذ من طرف الحكومة وتشرع بناء مشاريع قوانين توضع بالبرلمان وهي غالبا تحمل في طياتها مستجدات وتحيينات وتعديلات وقوانين متممة . فالإدارة الحكومية، عبر توجهاتها ورصد ميزانيتها والتقائها مع باقي القطاعات الوزارية والمؤسساتية، هي المؤهلة للتنفيذ الفعلي بكل هذه الالتقائية المؤسساتية، والتي تشكل حصة الأسد من خلال الدور الوقائي في الحد من ارتكاب الجريمة، حيث في الأخير لا ننظر للمسؤول الوقائي الأول الحكومة والبرلمان عن الحد من تفشي عوامل ارتفاع الجريمة , بل توجه الأصابع مباشرة للمسؤول الزجري الأمني والقضائي , فهؤلاء هم الجنود الأواخر الصامدون في معركة محاربة الظاهرة الإجرامية .
فبناءً على التقليص من كل عامل من عوامل ارتفاع الجريمة لا يوقف مجرم واحد بل سيتم إنقاذ أجيال , فالسياسة الجنائية تشمل ما هو اجتماعي، متمثلاً في محاربة البطالة والهشاشة، ودعم العناية الصحية، والتقليص من الفوارق الاجتماعية، ونهج منظومة تعليمية معقلنة من حيث التكوين والإطار الزمني وأساليب الانتقاء المجحفة (بداية من الالتحاق ببعض المعاهد والجامعات والمباريات)، وخلق تكافؤ فرص عادل ومتساوٍ، ودعم البحث العلمي من خلال الرفع من المنح الجامعية وتوفير النقل ووسائله؛ فالجانب الاجتماعي كلما كان الخلل فيه متفاقماً، شكّل طعماً لتطور الجريمة من خلال إحداث فوارق اجتماعية تخلق حالة انقسام فئوي بين الغني والفقير.
وأيضاً ما هو اقتصادي، ويشمل معدل الدخل الفردي، ودعم المشاريع الصغرى، والتسهيلات في إنشاء المقاولات وفقاً لشروط مواطِنة وسلسة؛ فحين تكون الشروط مجحفة وشاقة والمساطر الإدارية معقدة، فإن هناك فئة من المواطنين التي تعاني من ضعف وهشاشة اجتماعية تتجه إلى الاقتصاد البديل بالنسبة لها، وهو ارتكاب الجريمة.
وفي هذا السياق، يجب أن لا ننسى العامل النفسي في الوقاية من الجريمة في إطار السياسة الجنائية، وهو عامل يجب أخذه على محمل الجد؛ لأنه إذا كان كل ما سبق ذكره (اجتماعياً واقتصادياً) جد سهل لكونه مرتبطاً بالماديات ورصد الميزانيات واللوجستيك والبنية التحتية، فإن الجانب النفسي مرتبط بما هو لا مادي؛ أي بالتوجيه والإرشاد والاستشارة النفسية. ومن ثمّ، ينبغي إدراج وحدات دراسية خاصة بالدراسات النفسية على مستوى المؤسسات التعليمية والأكاديمية، وإحياء ثقافة الاستشارة النفسية عبر وسائل الإعلام والمجتمع المدني لتشمل جميع الفئات العمرية والمجتمعية، بداية من التوجيه المدرسي والحياتي والعملي والنفسي والتربوي، ومحاربة الإدمان.
كل هذا يمثّل حصة الأسد من دور الحكومة في رسم السياسة الجنائية، وهي المسؤول الأول عن تنزيل خطوطها الكبرى. في المقابل، وفي نهاية المطاف، تقوم النيابة العامة بتنفيذ ما تبقى من السياسة الجنائية وهو زجر الجريمة وتحريك الدعوى العمومية، وهذا جزء بسيط جداً من المسؤولية العامة. فكل ما سبق ذكره يقع على عاتق الدولة، وعلى رأسها الحكومة، في الشق الوقائي من ارتكاب الجريمة؛ وكلما كان أداؤها ناجعاً كانت الجريمة في حدها الأدنى، والعكس صحيح، فإن لم يكن الأداء كذلك، فليست السياسة الجنائية من ستحاكم الظاهرة الإجرامية، بل الظاهرة الإجرامية هي من ستحاكم السياسة الجنائية لأن الحكومة أخفقت في هذه الأخيرة.


