
مهرجان الرحل بتندرارة… تصهل الخيل لتشهد التاريخ
أنفابريس // مصطفى العربوشي
ما إن تقبل أيام مهرجان الرحل بقبائل بني گيل، حتى تستعيد تندرارة وجهها الذي ورثته عن الآباءوالأجداد، وتلبس من مهابة الماضي ما يليق بموطن لم تنقطع فيه صلة الأرض بأهلها، ولا انطفأت فيه جذوة الموروث في صدور الرجال. فذلك “لموسم” أو ” الفيجطا” هو صفحة من كتاب القبيلة، تُقرأ على صهوات الجياد، وتُكتب بدوي البارود.

وأعظم ما يزين هذا المهرجان “التبوريدة”، تاج الفروسية المغربية، وعنوان الشجاعة المنضبطة،فهذه سربة المقدم بودشيش عبد الغفور، تضرب في الميدان مثالًا في حسن الاصطفاف، وانضباط الحركة، ودقة الطلقة، حتى يخال الناظر أن الفرسان جسد واحد على ظهور جياد شتى. وهناك سربة المقدم الحسناوي، تمضي بخيلها في ثبات، وتُسمع البارود نغمةً تحفظها الآذان كما تحفظ الأبصار جمال المشهد. وكل سربة تحمل اسم مْقَدمها، وتحمل معها تاريخ رجال ورثوا الفروسية من المهد إلى اللحد .

إذ تتقدم السربات في نظام بديع، كأنها سطر واحد، فإذا انطلقت الخيل خُيل للناظر أن الأرض قد استعادت أنفاسها،وكأنط في مشهد سينمائي أو مسلسل تاريخي كذاك الزير سالم وآخرون، وكأن التاريخ قد خرج من بطون الكتب ليستقر بين أيدي الفرسان. هنالك تمتزج هيبة الفارس بجلال الفرس، ويغدو صوت البارود سلامًا للماضي.

ومما يملأ القلب سرورًا أن طائفة من فرسان اليوم هم بالأمس أصحاب دراسة، أو تلامذة جلسوا على مقاعد التحصيل، ثم حملوا بعد ذلك راية الأسلاف، فجمعوا بين نور العلم وعزة الفروسية، وأثبتوا أن الأصالة لا تناقض المعاصرة، وأن من عرف قيمة جذوره علت قامته، ورسخ مقامه.( من في الصورة التابعة لهذا المقال في الأمس تلميذا نجيبا واليوم طالبا مجدا وهاويا لركوب الخيل)

وليس هذا الموسم مقصورًا على ميادين التبوريدة، بل تمتد آثاره إلى الأسواق والدروب، فتنتعش الحركة التجارية، ويقصد الناس البلدة من جهات شتى، فتدور عجلة الرزق، وتزدحم المجالس بالزائرين، وتُفتح الأبواب للقادمين. وفي ذلك خير لأهل المنطقة، وتعريف بما تزخر به تندرارة من كرم الضيافة، وسعة الفضاء، وصفاء البادية.
ويزداد المشهد بهاءً بحضور القبائل الشقيقة؛ قبائل أولاد سيدي علي، وقبائل بني مطهر، وغيرها من القبائل المجاورة، فتلتقي الوجوه بعد طول غياب، وتتجدد أواصر الرحم، ويصبح اختلاف المواطن سببا للاجتماع، لا باعثا على الافتراق، إذ تجمعهم الخيل قبل المجالس، ويؤلف بينهم التراث قبل الكلام.
ومن تمام الإنصاف أن تُذكر الأيادي التي هيأت لهذا الموسم أسباب النجاح، فواجب الشكر موصول إلى مؤسسة الكرامة على ما تبذله من عناية وجهد، وإلى السلطات المحلية، واللجنة المنظمة، ومختلف المصالح الأمنية والإدارية والصحية، وإلى كل من جعل خدمة هذا الملتقى شرفًا، وعدّ نجاحه مسؤولية، فتكاملت الجهود حتى خرج الموسم في صورة تليق بتاريخ بني گيل ومكانة تندرارة.
أما التحية التي لا يحيط بها قلم، فهي لفرسان الخيل، أولئك الذين يحملون إرثًا أثقل من البنادق، وأغلى من السروج؛ إرثًا اسمه الوفاء. حفظ الله الخيالة، وأدام عليهم السلامة، وبارك في جيادهم، وأبقى في هذه الربوع رجالًا إذا ذُكرت الفروسية كانوا عنوانها، وإذا ذُكر الشرف كانوا برهانه.
سيظل مهرجان الرحل شاهدًا على أن الأمم تُعرف بما تحفظه قبل أن تُعرف بما تبنيه، وأن التراث إذا استقر في النفوس صار حصنًا للهوية، لا تعبث به الأعوام، ولا تنال منه الأيام. وفي تندرارة، ما دامت الخيل تصهل، والبارود يصدح، والرجال يتوارثون المكارم، فإن بني گيل سيبقون أمناء على تاريخهم، أوفياء لمجدهم، وحراسًا لذاكرة لا تشيخ.



