
حين يصبح التمثيل حقيقة لا شعاراً لنغير نظرتنا… إسبانيا تقدم درساً في إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة
أنفا بريس /
في خطوة تحمل أكثر من دلالة، دخلت إسبانيا التاريخ بتعيين أول امرأة من ذوي متلازمة داون عضواً في برلمان إقليمي، لتصبح صوتاً معبّراً عن الأشخاص في وضعية إعاقة من داخل مؤسسة تشريعية، حيث تُصنع القوانين وتُتخذ القرارات، لا من خارجها.
هذا الحدث ليس مجرد إنجاز فردي أو انتصار رمزي، بل يعكس تحولاً حقيقياً في فلسفة الإدماج، التي ترى في الأشخاص في وضعية إعاقة مواطنين كاملي الحقوق، يمتلكون الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية والمشاركة في تدبير الشأن العام، بعيداً عن الصور النمطية أو المقاربة الإحسانية.
فالإدماج الحقيقي لا يقاس بعدد الندوات أو الخطابات، ولا بحجم الميزانيات المخصصة، بل بمدى حضور الأشخاص في وضعية إعاقة داخل مراكز القرار، ومشاركتهم الفعلية في صياغة السياسات العمومية والدفاع عن القضايا التي تهمهم بأنفسهم.
ويعيد هذا النموذج طرح سؤال مشروع في المغرب: متى سيحظى الأشخاص في وضعية إعاقة بتمثيلية حقيقية داخل المؤسسات المنتخبة وهيئات الحكامة؟ ومتى ستتحول مبادئ تكافؤ الفرص والمشاركة المنصوص عليها في القوانين إلى واقع عملي يضمن لهم الحضور في مواقع المسؤولية، لا الاكتفاء بالحديث عنهم في المناسبات والشعارات؟
إن المجتمعات المتقدمة لا تُقاس فقط بقوة اقتصادها أو جودة بنيتها التحتية، أو مراحيض نمودجية أو بإنجاز مشاريع الولوجيات وحدها،بل بقدرتها على تمكين جميع مواطنيها من المشاركة في صنع القرار، دون تمييز بسبب الإعاقة أو أي اختلاف آخر. فالديمقراطية الحقيقية لا تكتمل إلا عندما يكون لكل مواطن صوت مسموع، وفرصة متكافئة، ومكان مستحق حول طاولة القرار.
وما قدمته إسبانيا اليوم ليس مجرد سابقة سياسية، بل رسالة إنسانية وحضارية مفادها أن الإعاقة لا تحد من الكفاءة، وأن بناء مجتمع عادل يبدأ حين يصبح التمثيل حقاً واقعياً لا شعاراً يُرفع في المناسبات.



