
أحذية سبتة الطافية… حين يصبح البحر عنوانًا لحلم لم يكتمل.
أنفابريس / الدكتور قدوري توفيق
إن هذه الأحذية الطافية على ماء البحر ليست لشبابنا فقط، بل لأطفالنا ونسائنا وشيوخنا أيضًا. تركوا وطنهم في حادث سبتة المأساوي الذي أودى بحياة أكثر من 70 شخصًا، بحثًا عن الأمان في الضفة الأخرى.
وكل حذاء يحمل حكاية أسرة، ومعاناتها، وحلمًا لم يتحقق!
فما الذي دفع بشبابنا، بل حتى بأطفالنا وشيوخنا وأمهاتنا، إلى أن يتركوا وطنهم ويخاطروا بحياتهم، بحثًا عن مستقبل في الضفة الأخرى؟
أهو اليأس؟ أم فقدان الأمل؟ أم شعور بأن فرص العيش الكريم أصبحت مستحيلة؟
فالحمد لله أن المواطن المغربي واعٍ، ولا يحب الفتن، ولا يطالب بالمستحيل؛ بل يطالب فقط بالحد الأدنى من العيش الكريم: SMIG territorial، وشغل يضمن له الكرامة، ومدرسة عمومية ذات جودة، وخدمات صحية تحفظ إنسانيته، وعدالة ومساواة في الفرص، دون فوارق اجتماعية أو مجالية تجعله يشعر بأنه مواطن من درجة ثانية.
هذه ليست امتيازات، بل حقوق دستورية وإنسانية أساسية.
وشعارنا واضح: «لا لمغرب يسير بسرعتين».
لكن الواقع يفرض أسئلة مشروعة وصعبة:
كيف نقنع شابًا يعيش في قرية أو منطقة نائية بأنه يحظى بالفرص نفسها التي يحظى بها شاب في الرباط أو في المدن الكبرى؟
كيف نقنع أمًا ما زالت تضطر إلى الولادة في الأزقة وفي ظروف لا تليق بكرامة الإنسان؟
وكيف نقنع مواطنين يقطعون عشرات الكيلومترات بحثًا عن إدارة تُنصت إليهم أو عن أبسط الخدمات، بينما لا يزال آخرون في بعض المناطق يبحثون عن أبسط حق، وهو الماء الصالح للشرب؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُفهم على أنها دعوة إلى اليأس أو إلى الفتنة. بالعكس؛ إن وعي المواطن المغربي ورفضه للفوضى هو ما يجعل طرح هذه الأسئلة ضرورة ومسؤولية.
اليوم، لا يهمنا البحث عن المسؤول بقدر ما يهمنا استخلاص الدروس وتحمل المسؤولية الجماعية في بناء مغرب يوفر الأمل لمواطنيه.
فهذه ليست مبالغات ولا شعارات سياسية، بل واقع يعيشه كثير من المواطنين، ويستحق أن تواجهه السياسات العمومية بإصلاحات حقيقية، وحلول عملية، واستثمارات في الإنسان قبل كل شيء، لأن الهجرة لا تُختزل في سؤال: كيف نمنع الناس من الوصول إلى البحر؟
السؤال الأعمق هو:
كيف نبني وطنًا لا يدفع أبناءه أصلًا إلى التفكير في الوصول إلى البحر؟
فحب الوطن لا يُقاس بالشعارات، بل بقدرتنا على جعل كل مواطن يشعر بأن له مكانًا فيه، وأن كرامته مصونة، وأن مستقبله ومستقبل أبنائه يمكن أن يُبنى على أرضه، لا في عرض البحر.



