
أسير الشاشات أم صانع الشارع؟ هل تلوح في أوروبا ملامح «ربيع جديد»؟
أنفابريس //
من الغضب الإلكتروني إلى الاحتجاج في الساحات… حين تتحول المنصات الرقمية من فضاءات للاستهلاك والترفيه إلى أدوات للتعبئة والمطالبة بالكرامة والعدالة الاجتماعية.
كان يُنظر إلى جيل الشباب في أوروبا باعتباره أسير الهواتف الذكية والشاشات، غارقًا في عوالم افتراضية تستهلك وقته وتستنزف اهتمامه، ومشدودًا إلى التفاهة والترندات العابرة أكثر من انشغاله بالشأن العام. غير أن هذا التصور بدأ يتصدع أمام مشهد مغاير؛ إذ اكتشف بعض هؤلاء الشباب أن المنصات الرقمية التي طالما اتُّهمت بعزلهم عن الواقع، يمكن أن تتحول إلى أدوات للتعبئة والتنظيم، وأن الغضب الذي يتراكم خلف الشاشات قادر على مغادرتها نحو الشوارع والساحات.
لم تعد الشاشة، في هذا المشهد، مجرد نافذة للهروب من الواقع، بل أصبحت أحيانًا بوابة للعودة إليه. فمن خلالها تتناقل الدعوات، وتتسع دوائر التضامن، وتتحول الشكاوى الفردية إلى قضايا جماعية، قبل أن تختبر قدرتها على التحول إلى فعل احتجاجي في الفضاء العام.
والمفارقة أن القارة الأوروبية، التي تابعت قبل خمسة عشر عامًا انتفاضات الشباب العربي، وامتلأت صحافتها ومراكز أبحاثها بتحليلات أسبابها الاجتماعية والسياسية ومآلاتها، تجد نفسها اليوم أمام أسئلة مشابهة، وإن اختلفت السياقات والظروف: أين تذهب ثمار النمو؟ من يتحمل كلفة الأزمات؟ وهل ما زالت المؤسسات السياسية قادرة على الإنصات إلى الأجيال الجديدة، واستيعاب مخاوفها وتطلعاتها؟
من هنا يبرز السؤال: هل نحن أمام احتجاجات اجتماعية عابرة، سرعان ما تخبو تحت ضغط الحياة اليومية، أم أن القارة العجوز تواجه مقدمات موجة احتجاجية جديدة، يمكن تسميتها مجازًا بـ«الربيع الأوروبي»؟
في فرنسا، لا تبدأ قراءة الغضب الاجتماعي من قصر الإليزيه وحده، بل من المؤسسات التعليمية التي يُفترض أن تصنع المستقبل. فالمدرسة والجامعة ليستا مجرد فضاءين للتلقين والتحصيل، بل مرآتان تعكسان طبيعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، ومدى قدرة الدولة على ضمان تكافؤ الفرص بين أبنائها.
وعندما يخرج التلاميذ والطلبة للاحتجاج على ظروف التعليم ونقص الموارد البشرية، فإن مطالبهم تتجاوز حدود الفصل الدراسي، لتلامس سؤالًا أعمق يتعلق بمكانة التعليم العمومي في السياسات الحكومية، وبمصير جيل يخشى أن يجد نفسه أمام مستقبل أقل استقرارًا وفرصًا مما وُعد به.
ومع اتساع دائرة التعبئة، يصبح الشارع نقطة التقاء بين فئات متباينة في العمر والوضع الاجتماعي، لكنها متقاربة في الإحساس بالضغط. فالعمال يطالبون بأجور تحفظ قدرتهم الشرائية، والمتقاعدون يخشون تآكل معاشاتهم، والأسر تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، فيما يرى الشباب أن الطريق إلى الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي بات أكثر صعوبة.
وهنا تكتسب صورة التقاء السترات الصفراء بالمحافظ المدرسية دلالتها الرمزية: جيل يطالب بحقه في مستقبل أفضل، وفئات راكمت سنوات من الشعور بالتهميش أو فقدان الثقة في الوعود السياسية. اختلاف المطالب لا يمنع تقاطعها عند نقطة واحدة؛ الإحساس بأن الأعباء تتزايد، بينما تتراجع القدرة على التأثير في القرارات التي تحدد شروط الحياة اليومية.
ووفق المعطيات الواردة بشأن مظاهرات السابع عشر من أكتوبر 2026، تراوحت تقديرات المشاركين بين 550 ألفًا و800 ألف شخص، وسط مواجهات واعتقالات. غير أن الأرقام، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم ما يجري، كما أن اختزال الحدث في صور الحرائق والمواجهات الأمنية يقدم قراءة مبتورة تختزل الاحتجاج في مظهره الأكثر صخبًا، وتتجاهل ما يختزنه من أسئلة اجتماعية وسياسية.
فالخبر الأعمق ليس فقط عدد الذين نزلوا إلى الشارع، بل طبيعة الفئات التي التقت فيه، والأسباب التي دفعتها إلى تجاوز اختلافاتها. الطالب الذي يريد مدرسة أفضل، والعامل الذي ينشد أجرًا منصفًا، والمتقاعد الذي يخشى تراجع مستوى معيشته، والأسرة التي أنهكها الغلاء، جميعهم يطرحون، بصيغ مختلفة، سؤالًا واحدًا: لمن تُدار ثروة البلاد، ومن يتحمل الكلفة الحقيقية للأزمات؟
إنها أسئلة تتعلق بتوزيع الثروة والفرص، لكنها تمس أيضًا الثقة في المؤسسات، وقدرة النظام السياسي على تجديد شرعيته الاجتماعية عبر الاستجابة لمطالب المواطنين، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد انفجارها.
في إيطاليا، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا عندما ينتقل النظر إلى ميلانو، العاصمة الاقتصادية التي تختزل جانبًا من صورة الازدهار الإيطالي، بما تحتضنه من مؤسسات مالية وشركات كبرى وواجهات تجارية ومشروعات عمرانية تعكس حيوية الاقتصاد.
لكن المدن الثرية ليست بالضرورة مدنًا خالية من الغضب. فخلف الواجهات اللامعة، قد تتسع المسافة بين مؤشرات النمو وتجربة المواطن اليومية؛ بين حيوية الأسواق وقدرة الأسر على تحمل تكاليف السكن، وبين فرص العمل المعلنة وشروط التشغيل الفعلية، وبين صورة المدينة العالمية وقلق الشباب بشأن الاستقرار والاستقلال المادي.
وهنا يصبح الاحتجاج، إن اتسعت دوائره، تعبيرًا عن مفارقة اجتماعية مألوفة في الاقتصادات الحديثة: قد تنمو الثروة من دون أن يشعر الجميع بأنهم شركاء في ثمارها. وقد تزدهر المدينة في الإحصاءات، فيما يواجه بعض سكانها ضغوطًا متزايدة تجعل الحياة فيها أكثر كلفة وأقل قابلية للتخطيط على المدى الطويل.
ولا يعني ذلك أن كل احتجاج في ميلانو أو غيرها يمثل بالضرورة بداية تحول سياسي واسع، أو أن المطالب المحلية تتجه تلقائيًا إلى مشروع اجتماعي موحد. فالحركات الاحتجاجية تختلف في دوافعها وامتداداتها، وقد تجمعها لحظة الغضب أكثر مما يجمعها تصور مشترك للحلول.
لكن أهمية هذه التحركات تكمن في قدرتها على إعادة طرح سؤال العدالة الاجتماعية داخل مدن تُقدَّم عادة باعتبارها نماذج للنجاح الاقتصادي. فهل يكفي أن تكون المدينة غنية إذا كان جزء من سكانها يشعر بأن كلفة العيش فيها تتجاوز قدرته؟ وهل يمكن الحديث عن ازدهار مستدام من دون ضمان حد أدنى من الأمان الاقتصادي والاجتماعي للأجيال الجديدة؟
إن الشارع، في هذه الحالة، لا يعترض على النمو في حد ذاته، بقدر ما يطالب بأن يكون النمو قابلًا للعيش، وأن تتحول الثروة إلى فرص ملموسة، لا إلى أرقام إيجابية لا تجد ترجمتها في الحياة اليومية للمواطنين.
لعل أبرز ما يميز هذه التحولات هو الدور المتنامي للفضاء الرقمي في إعادة تشكيل العلاقة بين الشباب والسياسة. فالأدوات التي ارتبطت طويلًا بالاستهلاك السريع للمحتوى وباقتصاد الانتباه، أصبحت قادرة أيضًا على تسريع انتشار المطالب، وكسر احتكار المؤسسات التقليدية للتواصل، وربط أفراد كانوا يعتقدون أن مشكلاتهم شخصية أو معزولة.
بضغطة واحدة، يمكن أن تنتقل صورة من مدرسة تعاني نقص التجهيزات إلى آلاف الحسابات، وأن يتحول مقطع يوثق واقعة اجتماعية إلى موضوع للنقاش العام، وأن تجد دعوة للاحتجاج صداها خارج حدود الحي أو المدينة. وهكذا، تتقلص المسافة الزمنية بين الشعور بالظلم والتعبير عنه، فيما تصبح المنصات فضاءات لتبادل التجارب وصياغة روايات جماعية عن الواقع.
غير أن هذا التحول يحمل تناقضاته أيضًا. فالمنصات نفسها التي تسهّل التعبئة قد تضخم الشائعات، وتدفع نحو الاستقطاب، وتختزل القضايا المعقدة في شعارات سريعة الاستهلاك. كما أن الانتشار الرقمي لا يضمن بالضرورة تنظيمًا مستدامًا، ولا يعني أن الحشود قادرة على تحويل غضبها إلى برامج واضحة أو بدائل سياسية قابلة للتنفيذ.
فبين آلاف التعليقات ومئات الآلاف في الشارع، توجد مسافة لا يقطعها الحماس وحده. إنها تحتاج إلى تنظيم، وقيادة مسؤولة، ومطالب قابلة للتفاوض، ومؤسسات مستعدة للاستماع، فضلًا عن القدرة على الانتقال من الاحتجاج إلى اقتراح الحلول ومراقبة تنفيذها.
لهذا، فإن السؤال ليس ما إذا كان الشباب قد غادروا العالم الافتراضي إلى الشارع فحسب، بل ما إذا كانوا قادرين على بناء علاقة جديدة بين التعبير الرقمي والمشاركة المدنية، تجعل من الاحتجاج بداية لمسار سياسي واجتماعي، لا مجرد موجة عابرة تستنفد طاقتها مع تراجع الاهتمام الإعلامي.
إن استحضار الربيع العربي في قراءة الاحتجاجات الأوروبية قد يكون مفيدًا من زاوية المقارنة، لكنه يصبح مضللًا إذا تحول إلى مساواة بين تجارب تختلف في بنيتها السياسية والاجتماعية، وفي طبيعة مؤسساتها، وشروط التعبير والاحتجاج داخلها.
فالتشابه في بعض الأسباب، مثل الشعور بالتهميش أو تراجع الثقة أو القلق بشأن المستقبل، لا يعني تطابق المسارات أو النتائج. كما أن الاحتجاجات الاجتماعية، مهما اتسعت، لا تتحول تلقائيًا إلى حركات تغيير سياسي شامل؛ فقد تنجح في انتزاع تنازلات محددة، أو تتراجع بعد فترة، أو تنقسم حول الأولويات، أو تدخل في مسارات تفاوضية تعيد تشكيل مطالبها.
ومن ثم، فإن الحديث عن «ربيع أوروبي» يظل، في هذه المرحلة، توصيفًا مجازيًا يطرح سؤالًا أكثر مما يقدم حكمًا نهائيًا. فالمعيار الحقيقي ليس حجم الحشود وحده، بل قدرة هذه التحركات على تجاوز اللحظة الاحتجاجية، وبناء خطاب جامع، وفرض نقاش عام حول توزيع الثروة والفرص، وإحداث تغيير ملموس في السياسات العامة.
ومع ذلك، فإن تجاهل هذه الإشارات سيكون خطأ لا يقل عن المبالغة في تفسيرها. فحين تتقاطع مخاوف الشباب مع مطالب العمال والمتقاعدين والأسر، وحين تتحول المنصات الرقمية إلى جسور بين فئات متباعدة، فإن ذلك يكشف عن توتر اجتماعي يستحق القراءة الجادة، بعيدًا عن التهويل أو الاستخفاف.
في النهاية، قد لا تكون أوروبا على أعتاب ربيع جديد بالمعنى التاريخي الذي عرفته المنطقة العربية، لكنها تواجه، بلا شك، اختبارًا متجددًا لقدرة أنظمتها السياسية والاقتصادية على الاستجابة لتطلعات مجتمعاتها. فالمسألة لم تعد مرتبطة بقدرة الشباب على جذب الانتباه عبر الشاشات، بل بقدرة المؤسسات على تحويل ذلك الانتباه إلى استجابة فعلية.
ولعل المفارقة الأبرز أن الجيل الذي اتُّهم طويلًا بالاستسلام للعالم الافتراضي يذكّر الجميع بأن الهاتف يمكن أن يكون أداة للترفيه والتشتت، لكنه قد يصبح أيضًا وسيلة لاكتشاف المشترك بين الناس، وتنظيم المطالب، واستعادة الشارع بوصفه فضاءً عامًا للمساءلة.
فحين يعجز الواقع عن إقناع الناس بعدالته، لا تبقى الشاشات جدارًا يفصلهم عنه؛ قد تتحول إلى نافذة يطلون منها على بعضهم بعضًا، قبل أن يلتقوا في الساحات. والسؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة ليس كم شابًا خرج إلى الشارع، بل ما الذي سيتغير بعد أن يعود الجميع إلى بيوتهم، وتُطفأ الشاشات، وتبقى الأسئلة معلقة.



