
من له المصلحة في إقبار المستشفيات العمومية… ؟
أنفابريس/ عبد الرحمان بوعبدلي
في الوقت الذي تتغنى فيه الحكومة بشعار “الدولة الاجتماعية”، يعيش المستشفى العمومي المغربي حالة من الموت البطيء احتجاجات متواصلة من المواطنين في مدن وقرى مختلفة، طوابير انتظار مرهقة، مواعيد للفحوصات تصل إلى سنوات، وغياب فاضح للتجهيزات الأساسية من قبيل أجهزة “السكانير” والمواد الطبية، ناهيك عن النقص الحاد في الأطر التمريضية والطبية.
المثير للقلق أن كل هذه المشاهد المأساوية تمرّ وسط صمت رسمي مطبق. فلا وزارة الصحة قدّمت توضيحات، ولا الحكومة بادرت بأي إجراء ملموس يخفف من معاناة المواطن المغربي، الذي لا يملك خيارًا سوى التوجه نحو المستشفى العمومي، لأنه ببساطة لا يملك القدرة المالية على ولوج المصحات الخاصة.
يدفع المواطن المغربي ضرائب باهظة، يُفترض أن تُترجم إلى خدمات عمومية تضمن له حقه الدستوري في الصحة والعلاج. غير أن الواقع يقول شيئًا آخر. فالدولة تبدو كما لو أنها تتنصل تدريجيًا من مسؤولياتها تجاه قطاع الصحة العمومي، وتدفع بالمواطن دفعًا نحو القطاع الخاص، الذي لا يرحم جيوب الفقراء وذوي الدخل المحدود.
وسط هذا الصمت، يطفو على السطح سؤال جوهري: من له المصلحة في تهميش المستشفى العمومي؟ هل الأمر مجرد تراكم لأخطاء التسيير والإهمال؟ أم أننا أمام استراتيجية ممنهجة تهدف إلى “إقبار” الصحة العمومية، لصالح لوبيات المصحات الخاصة؟
اللافت أن هذه الأخيرة تعرف انتعاشًا غير مسبوق، وتوسّعًا لافتًا في مختلف المدن، بل وتتنافس على فتح فروع جديدة بأحدث التجهيزات، وكأنها تستعد لاستقبال جحافل المرضى المطرودين من المستشفيات العمومية.
يطرح بعض المتابعين فرضية وجود تأثير قوي للوبي المصحات الخاصة داخل دواليب اتخاذ القرار، مستفيدًا من ضعف الرقابة، ومن تساهل السياسات العمومية. هذه الفرضية تجد سندها في غياب تام لأي إصلاح جذري للقطاع العمومي، وفي التشجيع غير المعلن على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتي كثيرًا ما تصب في مصلحة الثاني.
في كل هذا المشهد، يغيب صوت الدولة، ويُترك المواطن وحيدًا في مواجهة المعاناة. وهو ما يعمّق فقدان الثقة في المؤسسات، ويطرح علامات استفهام كبيرة حول جدوى الحديث عن “الدولة الاجتماعية”، في وقت لا يجد فيه المواطن سريرًا ولا دواءً ولا موعدًا مع طبيب.
إن إنقاذ المستشفى العمومي لم يعد ترفًا أو خيارًا سياسيًا، بل صار مسألة حياة أو موت بالنسبة لملايين المواطنين. والمسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع: حكومة، ونقابات، ومجتمع مدني، وإعلام… قبل أن يُجهز الإهمال على ما تبقى من هذا المكسب الوطني.



