
المرأة بين دعوى التحرر وفطرة الاستقرار
أنفابريس / الناقد: مصطفى عربوشي
الحمد لله الذي خلق الإنسان من نفسٍ واحدة، وجعل بين الزوجين مودةً ورحمة، وأقام نظام الحياة على التكامل لا على التنازع، وعلى التعاون لا على التدابر، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي أرسى دعائم الأسرة، وجعل خير الناس خيرهم لأهله، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد…
فإن من أعظم ما ابتُليت به المجتمعات في هذا العصر انقلابُ المفاهيم، واختلاطُ الموازين، حتى صار الحق يُلبس ثوب الباطل، والباطل يتزين بلباس الحق، وأصبحت الشعارات تُرفع قبل أن تُفهم، وتُردد قبل أن تُمحص، ويُساق الناس إليها سوقًا باسم الحرية، وهي في كثير من صورها ليست إلا قيدًا جديدًا يلتف حول الأعناق، ويستبدل قيدًا موهومًا بقيودٍ أشد وأعظم.
ومن أكثر تلك الشعارات تداولًا شعار “تحرير المرأة”؛ وهو شعار يحمل في ظاهره الرحمة، غير أن بعض من يتبناه قد جعله وسيلة لإعادة صياغة الأسرة، وإعادة تعريف العلاقة بين الرجل والمرأة، بل وإعادة تشكيل الفطرة التي فطر الله الناس عليها. فلم يعد الأمر مقتصرًا على المطالبة بحقوقٍ مشروعة كالتعليم والعمل الكريم وصيانة الكرامة، وإنما تجاوز ذلك عند بعض الاتجاهات إلى التقليل من شأن الزواج، والانتقاص من قيمة الأمومة، وتصوير البيت على أنه سجن، والأسرة على أنها عائق، والزوج على أنه خصم، وكأن الاستقرار جريمة، وكأن المودة ضعف، وكأن التضحية نقص.
والمرأة في التصور الإسلامي ليست كائنًا يبحث عن قيمته في معاداة الرجل، ولا عن مكانته في هدم الأسرة، وإنما هي مخلوق كرمه الله، وشرفه، وأعلى منزلته، فجعلها بنتًا تُكرم، وزوجةً تُصان، وأمًا تُبر، وأختًا تُوصل، ولم يجعل كرامتها رهينة صراعٍ مع أحد، ولا مرتبطة بتمردها على فطرتها، وإنما ربطها بطاعتها لربها، واستقامتها على أمره، وعفافها، وعلمها، وإحسانها.
لقد جعل الإسلام الأسرة لبنة العمران، وجعل البيت موطن السكينة، وجعل العلاقة بين الزوجين قائمة على الرحمة لا المغالبة، وعلى التكامل لا المنافسة، فقال سبحانه: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾. فتأمل كيف ابتدأت الآية بالسكن، لا بالصراع، وبالمودة، لا بالمنافسة، وبالرحمة، لا بالخصومة.
إن البيت في ميزان الإسلام ليس جدرانًا تحبس المرأة، وإنما حصنٌ يحفظها، ومدرسةٌ تُنشئ الأجيال، ومحرابٌ تُصنع فيه القيم، ومصنعٌ يُخرّج الرجال والنساء الذين يحملون همَّ الأمة. فمن حضن الأم يتعلم الطفل أول كلمة، وأول خلق، وأول معنى للرحمة، وأول درس في الصدق والأمانة، فإذا صلحت الأم صلح البيت، وإذا صلح البيت صلح المجتمع، وإذا صلح المجتمع نهضت الأمة.
وليس في الإسلام ما يمنع المرأة من أن تتعلم، أو أن تعمل، أو أن تبدع، أو أن تشارك في نهضة مجتمعها، بل قد كانت نساء المسلمين نماذج في العلم والفقه والرواية والتجارة والإحسان، ولكن ذلك كله كان منضبطًا بالقيم، غير مصادم للفطرة، ولا هادم للأسرة، ولا باعث على ازدراء الأمومة أو التقليل من شأن الزواج.
إن الخلل يبدأ حين يتحول التعليم إلى ذريعة للاستهانة بالأسرة، والعمل إلى وسيلة لإلغاء الزواج، والاستقلال إلى قطيعة مع الفطرة، فيُغرس في نفوس الفتيات أن النجاح لا يكون إلا خارج البيت، وأن الأمومة تضحية خاسرة، وأن الزوج عبء، وأن الأسرة مشروع مؤجل إلى أجلٍ قد لا يأتي. فإذا انقضت الأعمار، وتقدمت السنون، وانفض الجمع، وبقي الإنسان مع وحدته، أدرك أن الشعارات لا تمنح دفء الأسرة، ولا تعوض سكينة البيت، ولا تملأ فراغ القلب.
ولقد أثبت الواقع في كثير من المجتمعات أن ضعف مؤسسة الأسرة أدى إلى انتشار العزلة، وارتفاع نسب التفكك، وتراجع معدلات الزواج والإنجاب، واتساع الفجوة بين الأجيال، حتى غدا كثير من الناس يعيشون في بيوت عامرة بالأثاث، خاوية من المودة، مزدحمة بالأجهزة، فارغة من السكينة.
إن الحرية التي ندعو إليها ليست حرية الانفلات، ولا حرية هدم الثوابت، ولا حرية التنكر للفطرة، وإنما هي حرية العبودية لله، وحرية الاختيار في إطار ما شرعه الله، وحرية الكرامة التي لا تجعل المرأة سلعةً تُستغل، ولا رقمًا في سوق الإنتاج، ولا أداةً في معارك الأيديولوجيات.
إن المرأة والرجل ليسا خصمين يتصارعان على الغلبة، وإنما جناحان لطائر واحد، إذا كُسر أحدهما سقط الآخر، وإذا استقام كلاهما ارتفع البناء واستقرت الحياة. فلا الرجل يستغني عن المرأة، ولا المرأة تستغني عن الرجل، وإنما جعلهما الله لباسًا لبعضهما، وسكنًا لبعضهما، ورحمةً لبعضهما.
ومن الخطأ أن تُختزل كرامة المرأة في منصبٍ أو راتب، كما أنه من الخطأ أن تُختزل رسالتها في البيت وحده؛ فالإسلام جمع لها بين شرف الرسالة في الأسرة، وإمكان العطاء في المجتمع، دون أن يلغي أحد الجانبين لحساب الآخر.
إن العودة إلى الأصل ليست دعوة إلى تهميش المرأة، ولا إلى حرمانها من حقوقها، وإنما هي دعوة إلى إعادة الاعتبار للأسرة، وإحياء قيمة الزواج، وتعظيم شأن الأمومة، وترسيخ ثقافة التكامل بدل الصراع، والبناء بدل الهدم، والاجتماع بدل التنازع.
فما أحوج الأمة اليوم إلى خطابٍ يرد الناس إلى فطرتهم، ويذكرهم بأن الحضارات لا تُبنى بالشعارات الرنانة، وإنما تُبنى بالأسر المتماسكة، والبيوت العامرة بالمودة، والنساء الصالحات، والرجال الصالحين، والأبناء الذين نشؤوا في كنف الرحمة والاستقامة.
وصدق الله العظيم إذ قال:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وأصلح نساء المسلمين ورجالهم، واجعل بيوتهم عامرة بالإيمان، ومملوءة بالمودة والرحمة، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
#سلطان_الكوخ_العظيم



