
منير الحردول يكتب: الضمير والعودة لمقال أحزاب الانتخابات
أنفابريس //
في ظل تنامي السجال “البوليميكي” السياسي العقيم، وأمام تناسل الشعارات البراقة، وتعدد التأويلات السياسية لمغرب الغد، وفي واقع يفرض نفسه على الجميع بدون استثناء، واقع معبر عن الاستعداد لأزمات مستعصية تلوح في الأفق جراء الانعكاسات المرتقبة لنظام عالمي تطبخ في دهاليزه الكثير من خفايا القرارات، ليس على المغرب فقط، وإنما على العالم أجمع؛ تلك الانعكاسات وبدون شك ستكون لا محالة وخيمة في ميادين عدة، اقتصادية واجتماعية، أغلبها يندرج في إطار البعد عن العدالة الاجتماعية.
وأمام المبادرات الاستباقية التي قام بها ملك المغرب، جلالة الملك، في حلحلة المستجدات غير المتوقعة والمؤثرة على الشعب المغربي قاطبة، وبالخصوص الفئات الهشة والطبقات المتوسطة التي جرتها السياسات الحزبية للحكومات المتعاقبة لدائرة اسمها الخوف والهشاشة واللااستقرار النفسي والأسري، بدأت الأحزاب السياسية المغربية في دراسة طرق إقناع ملايين المصوتين، بهدف الاستمرار فيما كانت عليه من تناقض صارخ بين الشعارات ما قبل الانتخابات وما بعدها، مما ساهم في تنامي نسب العزوف وابتعاد أفراد الطبقات الواعية بكل تلاوينها عن الساسة والسياسة، والتركيز على البحث عن وظيفة أو عمل قار يؤمن الحياة المعيشية الطبيعية أولاً، في انتظار فرج من سياسة الضمير، بهدف التمتع بالقدرة على الانتقال إلى حياة كريمة، مفعمة بالأمل والسفر، بعيدة عن الخصاص الدائم في كل شيء؛ هذا الخصاص الذي أصبح بنيوياً والكل تقريباً يلامسه ويشعر بحرجه، لدرجة تحولت الحياة الاجتماعية إلى ساحة حرب وقودها الزوج والزوجة والأبناء ومحلات التبضع والجيران، وهكذا دواليك!
وأمام الاستعدادات غير المباشرة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة وقرب دخول زهاء 34 حزباً غمار التنافس الذي من المرتقب أن يكون شرساً، لا لشيء إلا للظفر بموقع بين مختلف المكونات السياسية، في إطار التموقع في مناصب المسؤولية وتسييج الوضعيات البراغماتية المعلنة والخفية!
ولعل التنافس السياسي أصبح يأخذ أبعاداً استراتيجية مدروسة بدقة من قبل بعض الأحزاب المتمرسة في جلب قواعد تصويتية ثابتة، سواء من خلال الاستثمار في تقديم العون والدعم الماديين في إطار التضامن والإحسان، أو الدهاء الثقافي ومخدر “قال فلان ابن فلان”، أو عن طريق الولائم وقضاء الأغراض وتوظيف الآلة الإعلامية التي أصبحت تغير مسار التصويت للكثير من العقول البسيطة والساذجة.
هذا دون الحديث عن أناس يتقنون فن الخطابة أو التهريج، والاستعانة بجيش من المصفقين الذين تخصص لهم المقاعد الأمامية، في إطار إضفاء الحماسة الزائدة على مستوى أصحابها؛ زد على ذلك التحالفات الهجينة غير المنطقية بين أيديولوجيات بقيت ملتصقة فقط بأسماء الأحزاب السياسية، لكن الأفكار المرتبطة بها للأسف انساقت في اتجاه الفكر الرأسمالي الصرف، بعيداً عن أجرأة ما يسمى بالليبرالية الاجتماعية التي أظهرت فعاليتها بدول الشمال كبلدان الاتحاد الأوروبي، مما دفع بأغلب المفكرين إلى النأي بالنفس عن خليط حزبي غير متجانس، لا من حيث الأفكار ولا الرؤى ولا الطموح ولا…
كما أن أغلب الأحزاب للأسف منغلقة على نفسها ولا زالت تقدس الشهادات الورقية، وتناست أن المبدعين للأفكار لا يعترفون بالحدود الوهمية للأوراق الجامعية، والتي لا زالت عاجزة عن إخراج البلاد من دوامة التناقضات التنموية بين الجهات والأقاليم والمدن والأحياء والقرى والحواضر.
وأمام هذا وذاك، يبقى الجوهر مقروناً بدخول لاعبين جدد للساحة بغية تقليص نسبة العزوف والخلل؛ فهناك بعض الأحزاب تستغل العزوف ويبدو أنها ترغب في هذا العزوف، بغية الحفاظ على وضعيتها التصويتية الانتخابية المريحة، بالنظر لتوفرها على قاعدة انتخابية ملتزمة فكرياً وعقدياً بثقافة عنوانها الولاء المطلق مهما كانت أخطاء وهفوات تنظيماتها. وهناك أحزاب ترعرعت في بيئة اسمها قضاء مآرب بعض المناطق لمدة طويلة، أو مصالح آنية بسيطة، أو تضامن دوري متزن موثق، بهدف إخراج المقابل في فترة التصويت الانتخابي!
فهكذا للأسف المبين تمر السياسة في عرس الانتخابات، التي تكثر فيها الولائم والتواضع وأكل الفول المحمص والدجاج وشرب القهوة والشاي في الأحياء الشعبية والهامشية؛ وهي الوضعية التي يتهرب منها من يتقن التمثيل في الحملات الانتخابية في الأحياء التي تضم طبقات وسطى وراقية، لكون هذه الطبقات فاضحة للنفاق، مؤمنة بالجد الهادف، متشبثة بثوابت البلاد، لا تنطلي عليها حيلة “حلال علينا حرام عليكم”، ولا الشعارات الرنانة التي أصبحت بكثرتها ورتابتها جوفاء، غير مؤسسة لمغرب يتسع للجميع دون استثناء.
وأظن أن رهان الانتخابات لن يميل لي أنا بالطبع، لكوني مدرساً متفائل يحمل هم الضمير وكفى! بل سيذهب لمن تعود على مخالفة نفسه وأفكاره، وحين يبرر ذلك يبتسم ويقول: “فرضت متطلبات المرحلة!”.
ولعل الرابح الأكبر لرهان الانتخابات مهما كانت سيمسي هو الضمير؛ ضمير قول الحق، ضمير الإخلاص للوطن، ضمير نكران الذات والتعود على تقديم الاستقالة في حالة برزت الفضائح أو الأخطاء عوض الإقالة؛ فالضمير هو سر نجاح الأمم.
فبلادنا ولله الحمد بلاد خير وأمان رغم كثرة المعضلات الاجتماعية، فذكاء وتبصر عاهل البلاد محمد السادس في التسريع بإخراج السجل الاجتماعي وتعميم الحماية الاجتماعية على جميع المغاربة، والمبادرة في إحداث صناديق تضامنية واستثمارية، هي من صميم ضمير النهوض التنموي للبلاد والعباد، والطموح لازال قائما على معالجة الاختلالات الاجتماعية وفق مقاربة تراعي مزيدا من الدخل لجل الأسر المغربية.
فيا أحزاب، رهان الانتخابات ليس هو الهدف، الوطن أغلى؛ ويا عقل تعقل، ويا ضمير انهض، وكفى من التناحر والتراشق الإعلاميين العقيمين؛ المغاربة يحتاجون للإخلاص في القول والعمل. إذن، إن ضمير الإخلاص لبراءة الصدق هو من سيحدد رهان نجاح بلاد المغرب الأقصى في بلوغ مصاف الدول الصاعدة!
بالتوفيق للخير.. وللجميع.



