جهاتصحة

ندوة علمية حول الدفتيريا بالمغرب: التلقيح خط الدفاع الأول لمنع عودة الأمراض المعدية .

أنفابريس //

خبراء وأطباء يدعون إلى تعزيز التغطية التلقيحية ومواجهة الشائعات الصحية بتواصل مسؤول وموثوق

الدار البيضاء، 8 أكتوبر 2026

أكد المشاركون في ندوة علمية حول مرض الدفتيريا، نُظمت مساء الأربعاء 7 أكتوبر 2026، أن التلقيح يظل الوسيلة الأكثر أمانًا ونجاعة للوقاية من هذا المرض ومنع عودته بقوة، مشددين على ضرورة تعبئة مختلف المتدخلين لتعزيز التغطية التلقيحية، وتكثيف جهود التوعية والتحسيس، والتصدي للأخبار الزائفة والمضللة التي من شأنها تقويض الثقة في التدابير الصحية الوقائية.

وجاء تنظيم هذه الندوة، التي انعقدت عن بُعد عبر تقنية التناظر المرئي، بمبادرة من الجمعية المغربية للعلوم الطبية وجمعية أنفوفاك أفريقيا والجمعية المغربية لطب الأطفال والجمعية المغربية للأمراض التعفنية لدى الأطفال والتطعيم، إلى جانب عدد من الجمعيات العلمية المتخصصة في طب الرضع والأطفال، وبشراكة مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وذلك تفاعلًا مع تسجيل حالات إصابة بالدفتيريا في المغرب.

وشكل اللقاء مناسبة لتسليط الضوء على الخصائص السريرية والوبائية لهذا المرض، وسبل الكشف عنه وتأكيد الإصابة به، وكيفية تدبير المخالطين، إلى جانب استعراض بروتوكولات العلاج والوقاية، ومناقشة دور الإعلام في إيصال المعلومة الصحية الدقيقة إلى المواطنين، خاصة خلال الأزمات الصحية.

تعبئة جماعية لحماية الصحة العامة

وعرفت الندوة مشاركة أطباء وخبراء ومختصين وممثلين عن الصحافة الوطنية، وتابع أشغالها نحو ألف مشارك عبر منصة «زووم»، من مهنيي الصحة والإعلام وفاعلين ومهتمين، فضلًا عن عدد مهم من المتابعين عبر موقع «يوتيوب».

وتولى تسيير أشغال اللقاء كل من الدكتور مولاي سعيد عفيف، رئيس الجمعية المغربية للعلوم الطبية وأنفوفاك أفريقيا، والدكتور حسن أفيلال، رئيس الجمعية المغربية لطب الأطفال، والبروفيسور محمد بوسكراوي، رئيس الجمعية المغربية للأمراض التعفنية لدى الأطفال والتطعيم.

وفي كلماتهم الافتتاحية، قدم المسيرون تعازيهم لأسر الضحايا، مؤكدين أهمية توحيد جهود القطاعات الحكومية والجمعيات العلمية ومختلف الفاعلين، من أجل مواجهة التحديات الصحية وحماية الصحة العامة، مع التنويه بالجهود التي تبذلها وزارتا الصحة والتربية الوطنية، وبالدور الذي يضطلع به الإعلام في توضيح المعطيات العلمية والتقنية والتصدي للشائعات والأخبار المضللة.

وشدد المتدخلون على أن التلقيح يمثل ركيزة أساسية في الوقاية من الأمراض المعدية والحد من انتشارها، والحفاظ على المكتسبات الصحية التي حققها المغرب على مدى سنوات، مبرزين أن التراجع عن الالتزام بالتلقيح أو عدم استكمال الجرعات الموصى بها قد يفتح المجال أمام عودة أمراض سبق أن تراجع انتشارها بفضل برامج التمنيع الوطنية.

وفي هذا السياق، استحضر المشاركون التجربة المرتبطة بعودة بؤر الحصبة خلال السنوات الأخيرة، معتبرين أن ما يجري اليوم بشأن الدفتيريا يستدعي تعزيز اليقظة الصحية وتكثيف الجهود لضمان حماية الأفراد والمجتمع.

وزارة الصحة: عدم التلقيح يهدد المكتسبات الصحية

من جهته، أكد الدكتور محمد اليوبي، مدير مديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، أن عدم التلقيح يشكل أحد العوامل الأساسية وراء عودة أمراض معدية، من بينها الحصبة والدفتيريا.

ودعا الأسر إلى مراجعة الدفاتر الصحية لأطفالها والتأكد من حصولهم على التلقيحات المقررة والجرعات التذكيرية اللازمة، وفق البرنامج الوطني للتمنيع، محذرًا من أن عدم الانخراط في هذه العملية قد يؤدي إلى ظهور أمراض أخرى كان بالإمكان الوقاية منها.

وشدد المسؤول على ضرورة تعبئة جهود جميع المتدخلين لتدارك أي تأخر في التلقيح، وصون المكتسبات التي راكمها المغرب بفضل البرنامج الوطني للتمنيع، مؤكدًا أن حماية صحة الأطفال لا تنفصل عن حماية الصحة العامة للمجتمع.

تعزيز اليقظة الصحية داخل المؤسسات التعليمية

من جانبه، استعرض الأستاذ مصطفى اليعقوبي، المدير العام لتنظيم الحياة المدرسية بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، المبادرات التي تنفذها الوزارة بتنسيق مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في مجال الوقاية والصحة المدرسية، في إطار مقاربة تكاملية تروم حماية التلاميذ والأطر التربوية والإدارية.

وأوضح أن الوزارة أصدرت دورية جرى تعميمها على المؤسسات التعليمية، بهدف تسريع تجميع المعلومات الضرورية عند الاشتباه في تسجيل إصابة، وتعزيز آليات المراقبة والتتبع، والتحقق من الوضعية التلقيحية للتلاميذ، مع توجيه الحالات التي تظهر عليها أعراض مرضية نحو المصالح الطبية المختصة.

وأكد أن هذه التدابير ترمي إلى ضمان التدخل المناسب في الوقت الملائم، مع التحلي باليقظة والمسؤولية والابتعاد عن كل أشكال التهويل التي لا تخدم المصلحة الصحية والتربوية.

عروض علمية لتشخيص المرض وتدبير المخالطين

وتضمن البرنامج العلمي للندوة سلسلة من العروض المتخصصة التي تناولت مختلف الجوانب المرتبطة بالدفتيريا، انطلاقًا من التشخيص السريري والمخبري، وصولًا إلى المراقبة الوبائية والتدابير الوقائية.

وفي هذا الإطار، قدم البروفيسور محمد بوسكراوي عرضًا حول التعرف على الحالات المشتبه في إصابتها بالدفتيريا وتداعياتها السريرية، فيما تناولت الأستاذة نبيلة صراع، المتخصصة في علم الأحياء الدقيقة بمراكش، سبل التأكد المخبري من الإصابة بالمرض.

كما استعرضت الدكتورة فتيحة سميحرو، من مديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض، آليات مراقبة الدفتيريا في المغرب، مسلطة الضوء على الإجراءات العلمية والوبائية المعتمدة، مع تقديم معطيات ومقارنات على المستويين القاري والدولي.

وتطرق الدكتور معاذ المرابط، منسق المركز الوطني لعمليات الطوارئ العامة بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، إلى كيفية تحديد المخالطين وتدبير حالاتهم، بينما تناول الدكتور محمد بنعزوز، المسؤول عن البرنامج الوطني للتمنيع، التدابير التلقيحية الواجب اعتمادها عند تسجيل حالة إصابة بالدفتيريا.

وأتاحت هذه العروض للمشاركين الاطلاع على المعطيات العلمية المرتبطة بالمرض، وفهم مختلف مراحل التعامل مع الحالات المشتبه فيها أو المؤكدة، بما يعزز التنسيق بين المصالح الصحية ويكرس التدخل المبني على المعطيات العلمية.

التلقيح وتعزيز التغطية الوقائية في صلب التوصيات

وشدد المشاركون على أن التلقيح يظل الوسيلة الأساسية للوقاية من الدفتيريا ومنع انتشارها، داعين إلى اعتماد إجراءات عملية لتعزيز التغطية التلقيحية، والتأكد من استكمال الأطفال للجرعات الموصى بها، مع إيلاء أهمية خاصة للتحقق من الوضعية التلقيحية للفئات المعنية.

وفي هذا السياق، طُرحت مقترحات لتعزيز التلقيح داخل المؤسسات التعليمية، على غرار المبادرات التي تم اعتمادها خلال سنة 2023 في سياق مواجهة بؤر الحصبة، بما يتيح الوصول إلى التلاميذ وتدارك حالات التأخر عن التلقيح.

كما اقترح المشاركون الاستفادة من الرقم الوطني للتلميذ «كود مسار»، من خلال دراسة إمكانية إدراج خانة خاصة بالوضعية التلقيحية، بما يسمح بتتبعها وتحديد الحالات التي تستدعي الاستدراك، والتواصل مع الأسر المعنية لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

وأكدت المداخلات أهمية تعزيز التنسيق بين قطاعي الصحة والتربية الوطنية، وتطوير آليات التتبع والتواصل، بما يضمن سرعة الاستجابة للحالات المشتبه فيها، ويحافظ على سلامة التلاميذ والأطر العاملة بالمؤسسات التعليمية.

وفي ما يتعلق بالتلقيح لدى البالغين، أثيرت خلال الندوة مسألة الجرعات اللازمة للأشخاص الذين سبق أن تلقوا التلقيح في طفولتهم، مع التأكيد على أهمية توضيح التوصيات التلقيحية وفق الوضعية الفردية والإرشادات الصحية المعتمدة.

الإعلام في مواجهة الأخبار الزائفة والمضللة

وحظي دور الإعلام في تدبير الأزمات الصحية بحيز مهم ضمن أشغال الندوة، من خلال ثلاث مداخلات قدمتها الصحافيتان كنزة خاطلا، عن موقع «ميديا 24»، وعزيزة غلام، عن جريدة «الصحراء المغربية»، إلى جانب وحيد مبارك، رئيس القسم الاجتماعي بجريدة «الاتحاد الاشتراكي».

وتمحورت هذه المداخلات حول مسؤولية الإعلام في نقل المعلومات الصحية الموثوقة، ومواجهة الأخبار الزائفة والمضللة، وتعزيز وعي المواطنين بالمخاطر الصحية، مع إبراز أهمية اعتماد مصادر رسمية وعلمية موثوقة عند تناول القضايا المرتبطة بالأمراض المعدية والتلقيح.

وأكد المتدخلون أن مواجهة الشائعات الصحية مسؤولية جماعية مشتركة، تستلزم توفير المعلومات الدقيقة لنساء ورجال الإعلام في الوقت المناسب، وتعزيز التواصل بين المؤسسات الصحية والهيئات العلمية والمنابر الإعلامية، بما يتيح تقديم توضيحات واضحة للرأي العام ويحد من انتشار المعلومات المغلوطة.

كما دعوا إلى إرساء برنامج مستمر للقاءات التواصلية والتكوينية، على غرار هذه الندوة، بما يسهم في تطوير مهارات التعامل الإعلامي مع الأزمات الصحية، وترسيخ ثقافة صحية قائمة على المعرفة العلمية والمسؤولية.

تنسيق متعدد القطاعات لحماية الحق في الحياة

وفي ختام أشغالها، نوهت الندوة بمبادرات الجمعيات العلمية واللقاءات التواصلية التي نظمتها خلال أزمات صحية سابقة، مؤكدة أهمية مواصلة التعاون بين مختلف المتدخلين، وتكثيف الجهود الرامية إلى حماية الصحة العامة وتعزيز الثقة في المعلومات العلمية الموثوقة.

كما وجه المشاركون تحية خاصة إلى مصالح وزارة الداخلية بمختلف مكوناتها، تقديرًا لانخراطها في الجهود الوطنية الرامية إلى حماية الصحة العامة، كما برز خلال جائحة كوفيد-19 وأزمة الحصبة.

وخلصت أشغال اللقاء إلى أن مواجهة الدفتيريا وغيرها من الأمراض المعدية تستدعي مقاربة متكاملة تجمع بين تعزيز التلقيح، واليقظة الوبائية، والتنسيق بين القطاعات الحكومية، وتعبئة الجمعيات العلمية، وتطوير التواصل الصحي المسؤول.

وأكد المشاركون أن حماية صحة المواطنين وصون المكتسبات الوطنية في مجال الوقاية لا يتحققان بالتدابير الطبية وحدها، بل يتطلبان أيضًا انخراط الأسر والمؤسسات التعليمية والإعلام ومختلف مكونات المجتمع، في جهد جماعي يجعل من المعلومة الموثوقة والتلقيح ركيزتين أساسيتين للوقاية وحماية الحق في الحياة.

Show More

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button