
الدولة الاجتماعية وحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة: وعود معلّقة على أبواب الحكومة الجديدة .
أنفابريس //
حتى لا يظل شعار «الدولة الاجتماعية» مجرد حبر على ورق، وأماني معلّقة على حبال المماطلة وغياب الإرادة السياسية.
عشية تشكيل الحكومة الجديدة، وبينما تتجه الأنظار إلى كواليس المشاورات وتوزيع الحقائب الوزارية، تفرض قضية الأشخاص في وضعية إعاقة نفسها باعتبارها أحد الاختبارات الحقيقية لمدى جدية الالتزام ببناء الدولة الاجتماعية. فخلف صخب التنافس على المناصب، هناك فئات أنهكها الانتظار، وأسر تكابد يوميًا مشقة الإقصاء، وأشخاص لا يطلبون امتيازات استثنائية، بقدر ما يطالبون بحقوق مشروعة وكرامة مصونة ومواطنة كاملة.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من سيتولى هذه الحقيبة الوزارية أو تلك، بل: هل سيحظى ملف الإعاقة بالمكانة التي يستحقها ضمن أولويات الحكومة المقبلة؟ أم سيظل حبيس رفوف الوعود المؤجلة، رهين مقاربات مترددة وتدابير لا ترقى إلى حجم الانتظارات؟
لقد مثّل الانتقال من منطق الشفقة والإحسان إلى منطق الحقوق والكرامة خطوة أساسية في تغيير النظرة إلى الإعاقة، باعتبارها قضية إنصاف ومساواة وإزالة للحواجز التي تحول دون المشاركة الكاملة في المجتمع. فالإعاقة ليست مبررًا للإقصاء، ولا شأنًا اجتماعيًا هامشيًا يمكن تأجيله كلما ازدحمت أجندة الحكومة؛ إنها اختبار حقيقي لمدى قدرة السياسات العمومية على ترجمة مبادئ العدالة الاجتماعية إلى واقع ملموس.
غير أن الاعتراف بالمبادئ، مهما بلغت أهميته، يظل ناقصًا ما لم تسنده إرادة سياسية واضحة، وبرامج قابلة للتنفيذ، وميزانيات كافية، وآليات للمساءلة والتتبع. فالحقوق لا تُقاس بما تتضمنه الخطب والبلاغات من عبارات منمقة، وإنما بما تحدثه من تغيير في حياة الناس: في الولوج إلى التعليم والتشغيل والخدمات الصحية، وفي تيسير التنقل، وضمان الولوجيات، وتعزيز الاستقلالية، وتكافؤ الفرص، ومحاربة مختلف أشكال التمييز.
وما يزيد القلق هو أن يتحول كل استحقاق حكومي إلى محطة جديدة لإعادة ترتيب الأولويات، فيما يظل الأشخاص في وضعية إعاقة مطالبين بإعادة شرح معاناتهم وانتظار حلول طال أمدها. فهل يُعقل أن تظل الحقوق الأساسية معلّقة على تغير المسؤولين وتبدل الحقائب؟ وهل يمكن الحديث عن دولة اجتماعية منصفة بينما لا تزال فئات من المجتمع تنتظر أن تنتقل حقوقها من النصوص والشعارات إلى الممارسة اليومية؟
إن المرحلة الراهنة ليست مجرد مناسبة لتوزيع المسؤوليات، بل فرصة لتجديد الالتزام السياسي والاجتماعي تجاه فئة لا تحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر ما تحتاج إلى قرارات واضحة، وإجراءات ملموسة، وسياسات مستدامة تضع الإنسان وكرامته في صلب الاختيارات العمومية.
ومن هنا، فإن الرهان لا ينبغي أن ينحصر في هوية الوزير أو الوزارة التي ستتولى تدبير هذا الملف، بل في طبيعة الالتزامات التي ستُعتمد، ومدى وضوح أهدافها، والآجال المحددة لتنفيذها، والوسائل المرصودة لها، ودرجة إشراك الأشخاص في وضعية إعاقة وجمعياتهم في صياغتها وتقييم نتائجها.
إن بناء الدولة الاجتماعية لا يكتمل بتوسيع دائرة الشعارات، وإنما بتوسيع دائرة المستفيدين فعليًا من ثمار التنمية والعدالة والإنصاف. ولا تُقاس قوة السياسات العمومية بقدرتها على إعلان النوايا، بل بقدرتها على رفع الحواجز أمام الفئات الأكثر عرضة للإقصاء، وضمان ألا تتحول الاختلافات الجسدية أو الحسية أو الذهنية إلى أسباب للحرمان من الحقوق والفرص.
فإما أن تكون الحكومة الجديدة موعدًا مع الإنصاف الفعلي، وإما أن يستمر الانتظار في استنزاف الأمل. وبين هذا وذاك، يبقى ملف الأشخاص في وضعية إعاقة امتحانًا حقيقيًا لصدقية شعار «الدولة الاجتماعية»: فهل يتحول أخيرًا من وعد سياسي إلى التزام عمومي قابل للمحاسبة، أم يظل حبرًا على ورق، وأملًا مؤجلًا على أبواب الحكومات المتعاقبة؟
إن الكرامة لا تنتظر، والحقوق لا ينبغي أن تخضع لمنطق التأجيل.



