اقلام انفا بريس

حق على الورق: هل حققت “الكوطا” آمال ذوي الإعاقة في ولوج الوظيفة العمومية؟

أنفابريس //

أصبحت قضية إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة في الوظيفة العمومية من أبرز مؤشرات احترام الدول لحقوق الإنسان وترسيخها لمبدأ تكافؤ الفرص. وقد اختارت العديد من الدول اعتماد نظام “الكوطا”، الذي يخصص نسبة محددة من مناصب الشغل لهذه الفئة، باعتباره آلية لتصحيح اختلالات تاريخية حالت دون تمكينها من حقها الطبيعي في العمل. لكن، وبعد سنوات من اعتماد هذا النظام، يظل السؤال مطروحًا: هل استطاعت الكوطا أن تحقق ما كان ينتظره الأشخاص ذوو الإعاقة، أم أنها بقيت مجرد إجراء قانوني محدود الأثر؟
من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أهمية الكوطا. فهي تعكس اعتراف الدولة بأن الأشخاص في وضعية إعاقة يواجهون عراقيل إضافية في الولوج إلى سوق الشغل، وتوفر لهم فرصة لإثبات كفاءاتهم بعيدًا عن الأحكام المسبقة. كما أنها تترجم التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا بحماية حق هذه الفئة في الشغل، وهو حق لا ينبغي أن يخضع للشفقة أو الإحسان، بل يقوم على المساواة والاستحقاق.
غير أن الواقع يكشف أن نجاح الكوطا لا يقاس بوجودها في النصوص القانونية، وإنما بمدى احترامها وتفعيلها. ففي كثير من الأحيان، لا يتم الإعلان عن العدد الكافي من المناصب المخصصة، أو تؤجل المباريات لسنوات، أو تظل نسبة التوظيف أقل من النسبة التي يحددها القانون. ويجد آلاف الخريجين من الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم أمام بطالة طويلة، رغم حصولهم على مؤهلات علمية ومهنية لا تقل عن غيرهم.
ولا تقف التحديات عند حدود التوظيف، بل تمتد إلى ظروف العمل نفسها. فعدد من الإدارات لا تزال تفتقر إلى الولوجيات المناسبة، وإلى التجهيزات والتقنيات المساعدة، كما أن بعض الموظفين في وضعية إعاقة يواجهون نظرة نمطية تقلل من قدراتهم، وهو ما يحول دون اندماجهم الكامل وتطورهم المهني.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل في رفع نسبة الكوطا أو الإبقاء عليها فقط، بل في بناء سياسة عمومية شاملة للإدماج، تبدأ بالتكوين والتعليم، وتمر عبر مباريات عادلة وشفافة، وتنتهي ببيئة عمل دامجة تحترم الكفاءة وتضمن تكافؤ الفرص في الترقية والمسؤولية. كما أن القطاع الخاص مطالب بدوره بتحمل جزء من هذه المسؤولية، لأن إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة ليس عبئًا اقتصاديًا، بل استثمار في طاقات وكفاءات أثبتت في تجارب عديدة قدرتها على الإبداع والإنتاج.
في النهاية، تبقى الكوطا خطوة ضرورية، لكنها ليست الغاية. فهي جسر نحو المساواة، وليست المساواة نفسها. وعندما يصبح الشخص في وضعية إعاقة قادرًا على ولوج الوظيفة العمومية والتدرج فيها اعتمادًا على كفاءته، داخل بيئة تحترم حقوقه وتوفر له الوسائل اللازمة للعمل، عندها فقط يمكن القول إن فلسفة الكوطا قد حققت أهدافها، وإن العدالة الاجتماعية انتقلت من النصوص إلى الواقع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى