
الثغور المغربية المحتلة بين منطق الجغرافيا التاريخية ومتغيرات المشهد الدبلوماسي
أنفابريس //متابعة: أحلام ساقي .
تظل الوضعية القانونية والسياسية لثغري سبتة ومليلية المحتلتين صمام توتر بنيوي في العلاقات المغربية الإسبانية، ومحدداً رئيسياً في صياغة العقيدة الدبلوماسية لضفتي مضيق جبل طارق. وتخضع القراءة التحليلية للمنطقة لمنطق الجغرافيا السياسية الصلبة، حيث يمثل الثغران امتداداً قرياً طبيعياً للمملكة المغربية؛ إذ تمتد سبتة على مساحة 18.5 كيلومتر مربع في موقع استراتيجي يشرف مباشرة على مضيق جبل طارق محاطة بإقليم الفحص أنجرة، في حين تقع مليلية على شبه جزيرة ثلاث شوكات بمساحة تقارب 12.3 كيلومتر مربع تحيط بإقليم الناظور. ويثير هذا الوضع تعقيدات قانونية حادة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، حيث يرفض المغرب بشكل مبدئي منح الثغور المحتلة الحق في منطقة اقتصادية خالصة أو جرف قاري مستقل، مستنداً إلى أن هذه الجيوب لا يمكنها خنق المياه الإقليمية المغربية أو فرض أمر واقع بحري في مياه المضيق الحيوية.
وتستند المقاربة المغربية في الترافع الدولي إلى دحض الأساطير القانونية التي تحاول مدريد إضفاءها على طابعها الإداري بالمنطقة، بالنظر إلى تاريخ الاحتلال الذي يعود لسقوط سبتة تحت السيطرة البرتغالية عام 1415 قبل انتقالها للتاج الإسباني عام 1640، واحتلال مليلية عام 1497؛ وهي سيطرة فُرضت في سياق تاريخي اتسم بالحمائية الاستعمارية، حيث تؤكد مبادئ القانون الدولي المعاصر أن تقادم الاحتلال لا ينشئ سيادة، وظلت هذه الثغور تاريخياً محط مقاومة من الدول المغربية المتعاقبة التي لم توقّع قط على أي تنازل نهائي عنها.
وفي خضم التطورات الراهنة، شهدت الساحة الدبلوماسية استقطاباً رفيع المستوى إثر الزيارة التي قام بها العاهل الإسباني فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيثيا للثغور المحتلة، والتي صرح خلالها بأن سيادة إسبانيا على سبتة ومليلية غير قابلة للنقاش، وهو تحرك وُصف في الأوساط المغربية بأنه “استفزاز سياسي” ومحاولة داخلية لتهدئة اليمين الإسباني قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقررة في نوفمبر 2026. وفي مقابل هذا الموقف، حدد الخطاب الملكي لجلالة الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية القواعد الحاكمة للعلاقات الدولية للمملكة، مشدداً على أن الشراكات لا تُبنى تحت وطأة الابتزاز أو الضغط في ملفات الهجرة غير النظامية، وأن المغرب يتعامل مع ملف حدوده وثغوره من موقع الند للند، رافضاً القيام بدور حارس الحدود للمنظومة الأوروبية دون احترام كامل لسيادته ومصالحه العليا. وهو الرد الصارم الذي أثار ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، التي سارعت إلى تحليل الخطاب كإعلان مغربي رسمي عن رفض منطق الإملاءات.
وعلى المستوى الميداني، تحولت السياجات الفاصلة إلى مؤشر لقياس الضغط الدبلوماسي؛ حيث شهدت مقاطع التماس البرية والبحرية أحداثاً ومناوشات تمثلت في محاولات عبور جماعية تخللها رشق بالحجارة ومواجهات ضد قوات الأمن والحرس المدني الإسباني، مما استدعى تدخلاً حازماً وسريعاً من العناصر البحرية الملكية المغربية وقوات الأمن بفعالية وحزم في المياه الإقليمية والمناطق المحاذية لضبط الوضع وإعادة الاستقرار؛ حيث تمتلك البحرية المغربية كامل الصلاحية القانونية والسيادية بموجب قانون البحار لحماية حدودها وتفكيك بؤر التوتر، بالتوازي مع تنفيذ عمليات واسعة لتفكيك البؤر العشوائية للمهاجرين وتنسيق عمليات إعادة المهاجرين وفقاً للمساطر القانونية.
وفي المقابل، اشتعلت الساحة الداخلية في إسبانيا بمظاهرات واحتجاجات واسعة انتقدت عجز الحكومة الإسبانية والمنظومة السياسية عن تدبير الأزمة بشكل يحفظ الهيبة، بل وحملت بعض الأوساط انتقادات مبطنة بمزاعم عدم قدرة الملك على فرض واقع مغاير بزيارته وعجزه عن زحزحة الموقف المغربي الصلب. وفي سياق هذا الاستقطاب، برزت ضربة جيوسياسية لافتة من داخل البرلمان الأوروبي على لسان النائبة والبرلمانية الإيطالية إيلاريا ساليس (Ilaria Salis) التي فككت السردية الإسبانية علانية بالقول: “إن سبتة ومليلية ليستا إسبانيتين ولا أوروبيتين، بل هما تاريخياً وجغرافياً أراضٍ مستعمرة تقع في القارة الإفريقية، وهذه هي الحقيقة التي يجب أن ننطلق منها لمعالجة هذه الأزمات”. وتزامنت هذه التصريحات مع إجراءات حكومة جورجيا ميلوني في روما لتمديد الرقابة الحدودية وتعليق فضاء شنغن مع مدريد. إن هذا الترافع المعاصر يؤكد في ختامه أن استقرار غرب البحر الأبيض المتوسط لا يمكن أن يستمر عبر تجاهل الحقوق التاريخية للمغرب، وتثبت المتغيرات الدولية أن منطق فرض الأمر الواقع لم يعد صالحاً في مواجهة دبلوماسية مغربية حازمة تستند إلى الشرعية التاريخية والقانونية.



